كابوس


لا اعرف كيف ابدأ الكتابة ولا كيف احكي عن ما حدث. الضحية هذه المرة امرأة في سن أمي ترقد الآن في المستشفى بين الحياة والموت.
كنت في طريقي لعملي في حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحا, أقود سيارتي وأحاول أن أرتب الأولويات في رأسي استعدادا ليوم طويل عندما فوجئت بامرأتين ضخمتين جدا أمامي. لم يكن الوقت كافيا لضغط الفرامل. اقسم أنني ضغطها, لكني كنت اصطدمت بالمرأتين بالفعل فطارتا. كانتا تحاولان عبور الطريق من أمام ميكروباص على يميني بينما كنت أقود سيارتي في طرف اليسار. ثقل حركة المرأة كبيرة السن, أعاقها تماما عن الحركة فاستسلمت للصدمة. نظرت كل منا بفزع للأخرى, أدرك ثلاثتنا المصيبة قبل اصطدامي بهما فاقتحمت الأولى برأسها زجاج السيارة الأمامي ثم تكومت على الأرض بينما نهضت الثانية واتجهت نحوي لنصرخ سويا دون فهم حقيقي لما حدث. كنا نحرك جسم المرأة كبيرة السن دون أن تبدي أي تجاوب سوى بعض الحشرجات الغريبة وظهرت بقعة صغيرة من الدم على الإيشارب الذي التف حول رأسها مثل كيس خانق ليمنعها من التنفس وقد ثبتت نظرها على الفراغ. كانت تحتضر أمامي ولم اعرف حقا ماذا علي أن أفعل.
لا أذكر الوجوه جيدا, لا أذكر عدد رجال الأمن الذين جاءوا من كل حدب وصوب ولا أذكر المارة, لا أذكر ملامح الطبيب ولا حديث عامل الريسبشن الذي تعامل بروتينية – ربما مهنية- مع الحالة.
سارت الأمور بسرعة غريبة, أدركت أننا أمام مستشفى كبير وأننا لا نحتاج لأكثر من حملها بأنفسنا لغرفة الطوارئ. كان البوليس قد حاصر سيارتي, "هاتي الرخص" صرخ في احد عساكر الأمن فألقيت له ببطاقتي الشخصية وأزحته عن طريقي وكان أصحاب السيارات الأخرى يصرخون مطالبين بنقل سيارتي لأنها تعترض الطريق. حركتها برفقة احد أمناء الشرطة وركضت عائدة للمستشفى لكنهم استوقفوني. امسكني احدهم من ذراعي وقال لي تعالي معنا.
لم يتركني رجال المرور الذين جلسوا تحت ظلال الزيزفون لاحتساء كوب الشاي الصباحي دون أدنى اهتمام بتنظيم العبور في منطقة صعبة جدا وغير مناسبة أبدا لعبور المشاة. استسلموا لصراخي في البداية, لكن ذلك لم بثنيهم عن واجبهم المقدس في القبض علي والتحرك بي نحو قسم الشرطة بينما كنت أقاومهم لرغبتي في البقاء جانب المرأة التي لم اعرف كيف ستتعامل المستشفى معها أو حجم إصابتها.
لتفهم هذا البلد الكئيب, عليك أن تقضي يوما كاملا في قسم شرطة. هناك ستظهر الأمور كما هي على حقيقتها: أفواج كاملة من متهمين متعرقين وأصحاب مصالح يلعنون اللحظة التي احتاجوا فيها لدخول القسم. أمناء شرطة وعناصر مباحث على استعداد كامل لفعل أي شيء من اجل بعض الجنيهات القليلة بما فيها قلب الحقائق لأصبح أنا الضحية بدلا من المرأة. ضباط صغار في السن تدفعك براءة إيماءاتهم للتساؤل حول مدى إدراكهم لطبيعة الدور الذي يقومون به. مأمور غائب عن الوعي هو الآخر, يجلس قرب باب القسم محتسيا شراب غريب أشبه بمنقوع الصرم لا يتحدث إلى احد ولا يتحدث احد إليه, ومدير مباحث يتحرك بتعالي طاووس أرعن, يتصرف في القسم كما لو أنه عزبته الخاصة ويأتمر الجميع بأمره وهو بالطبع صاحب الكلمة العليا في كل شيء.
انهينا المحضر لنتوجه بعدها للنيابة وكان اللازم قد تم بالفعل. حضر كل من احمد ومديري في العمل وأخي الذي استعد لليوم الطويل بمحفظة منتفخة وواسطة قوية لأنه كان خائفا من تطورات الموقف غير المرتهنة بقوانين أو أي شيء سوى كم ما تدفعه من نقود ومن تستند إليهم من ذوي النفوذ والسلطة.
لست في مجال تبرير الحادثة فأنا مقتنعة بأن أي تبرير ليس كافيا. اختارتني الصدفة الكابوسية لأكون أنا المتهم بقتل امرأة مسنة في سن أمي على قارعة الطريق.
على الأقل مازالت المرأة على قيد الحياة. تقول المستشفى أن حالتها مستقرة رغم أنها تعاني من تجمع دموي في المخ وكسر في مفصل القدم. لكنها للآن لا تفيق ولا يظهر أي تحسن على حالتها حتى بعد مرور اسبوع كامل على الحادثة مما يثير الهواجس حول نوع الاستقرار الذي يتحدث عنه الأطباء. فالمرأة طاعنة في السن وقد تحملت الجزء الأكبر من الصدمة.
اعتقدت في البداية أن المرأة الغائبة عن الوعي هي أم الأخرى صغيرة السن لأنها نادتها بأمي, لكن اتضح أنها حماتها. جاءتا من كفر الشيخ لأول مرة للقاهرة للكشف الطبي على الشابة لأنها تعاني من مشكلة عقم منذ سنوات وتتمنى أن تنجب طفلا. كانتا في طريقهن للمستشفى على كل حال وقد أوصلتهن بنفسي إليه على نقالة.
اعرف كيف تسير الأمور بعد مثل هذه الأحداث: ينمو شعور المرء بالذنب ليصل إلى طريق مسدود يضطر معه إلى اللجوء لتجاهل الموقف ليتمكن من الحياة بعدها. يجد لنفسه ما تيسر من المبررات المنطقية ويستند إلى حائط قسوة الواقع ليهدأ قليلا. يقول أخي أن علي ضبط أعصابي والتحلي بفضيلة التماسك حتى يعبر الأمر بسلام. يقول احمد أني خاسرة أيضا في هذه القضية وعلي التفكير في كيفية إصلاح سيارتي في أقرب وقت ممكن بدلا من النواح على واقع لا يمكن تغييره. تهدهدني أمي وتصلي بلجاجة لأجلي واستقبل عشرات المكالمات التليفونية من أصدقائي ليطمئنوا علي رغم عدم إصابتي بخدش واحد بينما يقترح على رءوف حضور زار لأتخلص من شبح المرأة الذي تلبسني.
رغم كل هذه المساعدات, على تنوعها, استيقظ كل يوم صباحا بثقل شديد ووجع في صدري. تفاجئني المرأة أثناء نومي وقيامي لألطخ رأسها بالدم في كل مرة من جديد وليرتفع ضغط الدم عندي بعد أن قضيت عمر كامل أعاني من انخفاضه.