حبيبتي يافا

Submitted by واحدة on الثلاثاء, 2007-02-27 12:49.

      اسم ابنتي يافا. تحب اللعب بالألوان أكثر من أي شيء آخر. ترسم وروداً وأشجاراً وأطفالاً يلهون. أحتفظ بشجرة حمراء نضج بين فروعها تفاح أخضر صنعتها من الصلصال الملون وأهدتني إياها في عيد ميلادي. تحب اختيار ملابسها بنفسها وتفضل إرتداء الفساتين والجونلات الواسعة. تحب من فستانها أن يرقص.  برغم ان إستقلاليتها هذه ترهقني وبائعي الملابس إلا أنني أستمتع كثيرا عندما تعلن رضاها عن فستان ما: تدور حول نفسها دورتين متتاليتين وتكشكش عينيها فتنفرج شفتاها الناعمتان بإبتسامة واسعة  لتظهر أسنانها اللبنية الصغيرة بينما تتمايل مع إيقاع موسيقى إفتراضية تنتهي غالبا بتصفيق كل من صادف وجوده في المحل في تلك اللحظة ليشهد العرض الجميل. تحب يافا أن تتأكد من أن الفستان مناسب لخيالاتها الإيقاعية, لذلك فرقصها هو إستفتاء ذكي لا يخلو من متعة الاستعراض.

ابتسامة يافا أجمل مافيها, تبتسم فتشرق الشمس من عينيها وتلمع أسنانها بألوان قوس قزح. مرة, منذ عامين تقريبا, استوقفت رجلا خمسينيا في محل البقالة الواسع وقالت له بدلال وهي ممسكة بطرف فستانها القصير: "بص.. فستاني؟". كان الفستان هو هديتي لعيد ميلادها الثالث. قبل الرجل الذي لا أعرفه يديها وأصر أن يهديها هديتين, واحدة بمناسبة عيد ميلادها والأخرى بمناسبة ارتدائها الأول لفستانها الجميل. دار معها على كل أنواع الحلوى لتختار بنفسها هداياها فانتقت البوظة وعبوة صغيرة من حلوى مفتتة دغدغت لسانها بفوران ناعم. أعجبتها اللعبة فأهدتني بعضاً منها. ضحكنا يومها كثيرا.

منذ أسابيع, احتجزتني أكثر من ربع ساعة في دورة مياه أحد المطاعم. ثبتت أقدامها الصغيرة في الأرض متوسلة إليّ أن أصبغ شفتيها بأحمر الشفاه الذي تعرف جيدا أنه لا يفارق حقيبتي. استسلمت لرغبتها لكنها لم تقنع بلونه الباهت. قلت لها أن ما تعتقد أنه أحمر شفاه هو في الحقيقة مرطب شفاف. أعدت تجربته أمامها لأثبت لها ما أقول لكنها رفضت الحركة. كيف أرد طلبا لإلهتي الصغيرة؟! تنهار أمامها مقاومتي, بإشارة منها يصبح المستحيل وغير المنطقي أمراً وارداً جداً بل واجباً أيضا. تداركت الموقف في اللحظة المناسبة, قبل أن تسقط دمعتها الأولى كنت استعرت أحمر شفاه واضح اللون من إحدى النساء في دورة المياه النسائية والتي غطوا جدرانها بمرايا ليحاصرني حزن يافا من كل الزوايا. رحبت المرأة التي ظنت أني أحتاجه لنفسي, لكنها لم تخف إزدراءها لضعف سلطتي الأمومية عندما اهدرت أحمر شفاهها الثمين على شفاه طفلة عنيدة لم تتعدى الخامسة من العمر. لمحت استهجان المرأة في عينيها.

  في طريق عودتنا للمنزل, عندما عاتبتها على عنادها, ردت بأنها تحب اللون الأحمر وأنها أرادت فقط تلوين شفتيها. دفعني رد يافا لإعادة التفكير في الموقف, لمت نفسي على شكي في نفسي وإبنتي. اعرف جيداً أن المرأة فسرت سلوكي بعدم النضج وأراهن أنها ترحمت في سرها على أمهات زمان, عندما كانت الأم قادرة على انتهار طفلها بنظرة قاسية من طرف عينيها أو على الأقل تهديده بالتجاهل. لا أحب أن أتجاهل إبنتي, كما أني بالطبع لن أنتهرها لأنها تحب أن تلون شفاهها مثل أغلب النساء اللواتي تحتفظ بصورهن في ذاكرتها. أسفت لحال المرأة التي بدا لي أنها لم تختبر من قبل المعنى الحقيقي لكلمة "حب". أوقفت سيارتي, توجهت نحو المقعد الخلفي حيث تجلس يافا, قبلت عينيها ثم عدت لمكاني كي نكمل طريقنا إلى المنزل.

يافا هي الأخت الصغرى لأخ أكبر أسقطته من حياتي قبل أن يولد ولم أحزن عليه كثيرا لأني كنت جاهلة وصغيرة. إرتعبت منه ودبرت مؤامرة جراحية لإجهاضه بعد أن استمر ذلك الحمل ما يقرب من ثلاث شهور. كان الإجهاض ضروريا لأنني لم أكن مستعدة لمثل هذه التجربة. أجهضت مع طفلي كل من علاقتي بصديقي الذي ارتعب هو الآخر وأيضا رغبتي في الإنجاب. فقدت الكثير من الدم وطالبني الطبيب بالإكثار من ممارسة الجنس مع صديقي لأنه لم يكن  قادرا على رؤية الجنين. حتى بواسطة اجهزته الحديثة المعقدة. قال لي حملك ليس ثابتا والأفضل ان نتخلص منه بشكل طبييعي لكن الأمر برمته لم يكن طبيعيا.كتلة دموية مشوهة سقطت في احد نوبات التقلص قبل موعد المؤامرة الدموية بساعات قليلة وكان طبيب البنج قبطي أفرغت فيه كل حقدي أثناء استيقاظي من البنج. كان الحدث غريبا ومأساويا وكوميديا في نفس الوقت. هكذا كان حملي الأول: دموي وناقص.

رغم رفضي القاطع لتكرار التجربة, إلا أن جانبا مني ظل يراكم احتياجا متزايدا وحنينا ليافا. لذلك انتظرتها بغير وعي مني. أذكر يوم عاد بعد غياب دام أكثر من ثمان شهور. أردت بعضا منه داخلي. تنفسته وعرقته وتمنيت في قلبي ان يكون لي منه طفلة لها عيناه وعناده. هناك, في السماء, تصالحت مع نفسي فحبلت بيافا. غاب أبوها بعد حملي بها رغم أنه كان أكثر إحتياجا لها مني. أشعر به أحيانا يراقبنا من بعيد, وأحيانا أخرى تتقاطع نظراتنا لكنه يتظاهر بأنه لا يعرفني أو يعرفها. سيعود يوما ما. سامحته لأنني أشفق عليه من نفسه ولأنه أيضا أهداني يافا. هكذا حكيت لها أدق تفاصيل وجعي ذات ليلة. 

يافا أمي. أعيش في عالمها الواسع ولا أعرف لحياتي طعما بدونها. يتضاءل البشر حولها. صرت أزيحهم عني مثل ذباب مزعج. ليس لوجودهم معنى أو فائدة حقيقية إذا ماقورن بثقل وجودها وعمقه. بعد ولادتها مباشرة, كان فضولي نحوها أقوى من أي مشاعر أخرى, لكن يوما بعد يوم اختلف الأمر. صرت أحبها لأنني أعرفها بينما تحبني هي برغم أنها تعرفني. يقولون أن الحب أعمى, لكن يافا أثبتت لي غباء هذه الفكرة, فالشرط الأول للحب هو المعرفة وليس الجهل. تحفظني يافا وتحتمل تقلباتي بصبر ناضج. تعرف كيف تؤثر في وكيف تفقدني أعصابي إذا ما أرادت. لا تفلح محاولاتي في خداعها ايضا. تكشفني بعينين خبيرتين فأخجل من نفسي وأعود لأعترف بالحقيقة. أقف عاجزة أمام قدرتها على التعبير عن حزنها, فرحها, أو حتى الملل من لعبة ما ببساطة وتلقائية يصعب على أي ناضج محاكاتها. هكذا أيضا تحبني يافا فأجدني لا أملك إلا أن أبادلها حبها غير المشروط بمثله. فما أنا إلا موصل جيد لحرارتها, وما حضوري إلا انعكاسا لحضورها الجميل. مثل الإمتلاء الذي اختبرته بحب يافا لم أعرف من قبل. صرت بها إنسانا كاملا. كيف كانت حياتي قبل يافا؟ نسيت وماعدت أريد أن أتذكر.