عبث

Submitted by واحدة on الأربعاء, 2007-01-10 02:27.

حدث ذلك في فجر أحد أيام الأسبوع الماضي. كنت عائدة من حفل عيد ميلادي مع نون وميم. دخنا وشربنا كثيرا في الحفل وقررنا ان نستكمل سهرتنا سويا بعد أن سقط الباقون في النوم. رأيته على بعد أمتار من باب بنايتي. تابعني بترقب فظننته أحد افراد المباحث. نون وميم نزلتا من السيارة قبل أن أستكمل صفها واتجهتا نحو بوابة البناية. كانتا تتناقشان بصوت خافت ولم أسمع حديثهما. فتحت باب السيارة والتفت الى الوراء لأتأكد من أنهما لم تنسيا إغلاق الباب الخلفي. في تلك اللحظة تحديدا رأيت السكين. أغلقت بابي وتابعت صديقتي بعيني المرتعبتين.
بحثت طويلا عن مفتاح السيارة قبل أن أجده في يدي اليمنى. بذلت مجهودا كبيرا لأتذكر أن دواسة البنزين على اليمين وان السيارة لا تتحرك لأني أضغط بكل قوتي على الفرامل. كنت أنقل نظري بهلع بين عينيه المثبتتين علي وسكينه ولا أصدق ما أرى. نون وميم وقفتا هنا. التفتتا نحو نفس الزاوية ولم تعيراها اهتماما يذكر. هل وصل جنوني لهذا الحد؟؟ رجل بسكين؟؟
سبق أن واجهت ظرفا مشابها، يوم استيقظت من نومي على صوت بلطجية يحاولون اقتحام المنزل. نظرت من العين السحرية فرأيتهم وحددت أشكالهم. كانوا يطرقون بابي بعنف وبدا لي أنهم يستشعرون وجودي خلفه. فكرت أن أغلقه بالمفتاح,  أزحزح الموبيليا,  اقفز من النافذة قبل ان يقتحموا المنزل. فكرت في كل هذا لأكتشف الحقيقة بعد أن جاء صديق لنجدتي حاملا عصا حديدية. ما رأيته كان مجرد هلاوس. حدث هذا منذ أكثر من ستة أعوام. أكد لي طبيب نفسي وقتها أنها مجرد حالة عارضة ناتجة عن توتر نفسي شديد، وأنها لن تحتاج الى تدخل طبي إلا في حال تكرارها. أذكر أنني كنت في ذلك الوقت أخاف النوم ليلا. هروب يحكمه قدر الموت, سقوط سريع في بئر لا نهائي, محاولة مستميتة للطفو في مياه ضحلة..الخ. أكثرهم قسوة, كانت سماء سوداء تقبض على فلا أستطيع التنفس. يتحجر دمي وتنشل أطرافي ويلتصق لساني بحلقي فلا أستطيع الصراخ. كان هذا الكابوس الملعون هو صديقي اليومي لشهور طويلة.
قررت أن أنطلق بالسيارة وأنقذ صديقتي لنهرب. اقتربت من ميم ونون اللتين كانتا على وشك دخول البناية وصرخت اصعدا, اصعدا سريعا. حاولت نون أن تلقي بنفسها داخل السيارة بفزع شديد. كانت تحمل كيسا بلاستيكيا ضخما لـ"لحاف " برتقالي منشي حاولت باستماتة دفعه أمامها من باب السيارة. ساعدتها وحاولت أن ألحق بميم التي ركضت بعيدا وحدها. صرت أرتجف, أصرخ بهستيريا عن شاب صعيدي يقف في الظل قابضا على سكين مفزع ومتلفحا بشال أبيض.
توقفت عند نهاية الشارع في محاولة للتحكم في اعصابي. غضبت جدا من نون وميم عندما أخبرتاني بأنهما رأتاه, بل وتناقشتا بخصوص سكينه لكنهما لم تظنا ان الأمر خطير، ظنت ميم انه حارس البناية, لكن الحراس لا يحملون السكاكين. لا يخفون وجوههم وليست لهم نظرة ذلك الرجل ولا حضوره الذي امتص طاقتي مثل مغناطيس. ليس هذا حضورا روتينيا لحارس عقار يحمي بعض ممتلكات لبعض بشر لا يعنون له شيئا. تمسكت بفكرة القاتل المترصد ورفضت بعنف الالتفات الى أي من الإحتمالات الأخرى.
هل نكمل طريقنا الى منزل نون أم نبلغ الشرطة ؟ نتخبط بين الفكرتين كذبابة محبوسة في كوب ماء. الأولى برجماتية المظهر لكنها لا تبطن إلا الخوف والثانية محض تجسيد عبثي لأخلاقيات مثالية ليس لها أي علاقة بالواقع. لكن ماذا لو كان ذلك الرجل ينتظر شخصا بعينه ليقتله ؟ ماذا لو تسبب صمتنا في جريمة قتل؟ كنت منشغلة برعبي من السكين أكثر من اي شيء آخر. ربما لذلك اتجهت بجزء من وعيي نحو منزل نون.
لم أنم تلك الليلة. كنت أتقلب على سريرها الذي افترشناه بالعرض. تحضنني نون أثناء نومها فأحاول أن أهدئ أنفاسي قليلا ولا أستطيع. كنا قضينا ما تبقى من السهرة في محاولة تحليل ما حدث بموضوعية مفتعلة تليق بثلاث نساء لكل منهن هواجسها ومخاوفها الخاصة، يشتركن في تمردهن على الواقع وينتمين لثقافة أقلية معزولة ومنهزمة. لم يكن غريبا بالمرة ان تجمعنا مثل تلك اللحظة.
ربما انتظر نزولي من السيارة ليبدأ حفلة الذبح فينا لذلك لم يؤذ أيا منهما عندما استطاع. سكينه كان يلمع جدا. ربما انتظرني هناك لأنه يعرف موعد وصولي المعتاد. لم يعجبه مظهري وسلوكي واستمع لقصص سائسي الجراج عن يومياتي وقرر أن يخلص العالم من شخصي الشرير. أمر وارد جدا. ليس غريبا ولا نادرا أن تموت أنثى ما بسكين شاب مهووس. وليس غريبا أن تقضي صديقتاها معها بدون ذنب. لم أعرف من قبل أنني أخبئ داخلي كل هذا الخوف. من الغباء الاعتقاد بان ذلك الهلع مجرد رد فعل انفعالي طارئ لموقف غريب. كيف لم أنتبه من قبل الى هذا الكم من الأفكار السوداوية ؟ ولماذا أميل بهذه التلقائية لتوقع الأسوأ ؟ تتكاثف الهواجس في رأسي فألعنها وانكمش اكثر بين ميم ونون وأحاول باستماتة أن أنام.
في الصباح التالي، قال لي أحمد أن ما رأيته في يد الرجل لم يكن سكينا, بل سلاحا معروفا باسم السنجة. أكثر من مرة رأيت رجالا يتصارعون بها, لكني لم انجح أبدا في الربط بين شكلها واسمها, غالبا أتناساها لشدة ما تفزعني فكرتها.   زاد فزعي، فأنا كنت أتمنى أن يكون مجرد هجام يحمل سكينا ليساعده في أداء مهمته المفهومة جدا إذا ما قورنت بغموض فكرة القتل وسطوتها. كان هذا آخر ما في جعبتي من احتمالات متفائلة.
انهرت تماما بعد أن اخبرني رءوف أن المصري اليوم نشرت قبل أيام تحقيقا عن مجرم شاب يطعن النساء في مؤخراتهن ولا يزال طليقا. هنا بدأت البكاء. فقدت أعصابي تماما ولم اقو على مغادرة الفراش حتى المساء. قضينا أنا ونون وميم اليوم سويا في محاولة منهما للترويح عني. أنظر الى ثلاثتنا فأرانا بين جثث ملطخة لنساء عاريات, مطعونات في صدورهن وفروجهن. ألقونا على وجوهنا مثل ذبائح وجلسوا يتسامرون حول مبررات القاتل المسكين و مأساته.
إتفقنا أنا ونون أن نذهب سويا لنحضر بعض الملابس من منزلي. كنت مازلت أرتدي ملابس السهرة. فستانا سكسيا قصيرا وبعض الحلي الفضية. استسلمت لاقتراح نون بأن أغطي فستاني الجديد بجيبة مزركشة طويلة أعارتني اياها ومعطف واسع. لم اخبرها ساعتها بأن هدفي من الزيارة هو جمع معلومات عن ذلك السفاح لأذهب بعدها الى الشرطة. لو صارحتها بنيتي لما طاوعتني. أما ميم فكادت أن تدفعني للجنون بتعاليها غير المفهوم على الموقف. لماذا تصر على تلك المسافة بينها وبين السكين؟؟
 سمعت من كل من الشاب العامل في السنترال على ناصية شارعنا وصاحب محل البقالة على بعد بنايتين من منزلي قصصا غريبة. أنكمش مع كل قصة واعتصر كف نون من خلف أطنان الملابس التي اختبأت تحتها. أفزعني استقبالهم لحكايتي وكأنها تجربة عادية جدا. اما الموظف الشاب في محل الحلويات الذي اختبأ القاتل الملثم قرب بابه, فأجابني مبتسما, بأنه منذ شهور قليلة جرت محاولة لإقتحام المكان وأنهم اضطروا لتعيين حارسين ينامان داخله كل ليلة. ثم استطرد وقد إتسعت إبتسامته, أن من ظننته قاتلا هو أحد هذين الحارسين، أفزعته هواجسه هو الآخر فوقف في الظلام مواجها خوفه بسكين "الكنافة" الطويل.

( categories: )