تجربة مفتوحة

Submitted by واحدة on الاثنين, 2006-09-25 18:04.

منذ اكثر من اربع سنوات, بعد فشل محاولتها الثانية للإنتحار, كانت غضبتي الأولى منها. لم أحضر تجربتها السابقة والتي نفذتها في محاولة اخيرة للهروب من سلطة ابيها الذي رفض ان يزوجها لمن تحب بعد ان وشت له اختها الأكبر بعلاقتها الجنسيه معه. سافلة تلك المرأة. سامحتها على محاولتها الأولى لقناعتي بأنها لم تكن أكثر من رد فعل طفولي بهدف تخفيف وطأة غضب ابيها وقسوته.  لكنني, هذه المرة, لم أقوى على الإبتسام لها بتفهم. مفزع أن تسيطر عليك فكرة ان حياتك في حد ذاتها هي سبب مصائبك. وانك, للتخلص من هذه المصائب, عليك أن تتخلص منها. يأس, هروب, أو حتى محاولة ساذجة لإستدرار عطف الآخرين. في كل الأحوال, تبقى الفكرة, مجرد الفكرة, قاسية جدا. ماذا إذن عن قسوة محاولة التطبيق؟!.    اعترف انني في مراهقتي فكرت في الإنتحار كثيرا, تضييقات امي علي وشعوري بإستحالة الهروب من سلطتها التي بدت لي ابدية, دفعتني للتفكير في الإنتحار كلما صادفت مشكلة معها. تخلصت منها فقط, عندما وقفت على حافة شرفة غرفتي وقلت لنفسي, بغضب من نفذ صبره, اقفزي الأن او ابحثي عن حل آخر. الغريب والمضحك في نفس الوقت, هو انني بعد ذلك اليوم, نسيت تماما فكرة الإنتحار. كأنها لم تطرأ على بالي يوميا لعدد لا بأس به من السنوات. اعتقد ان جبني هو مادفعني للتخلي عن الفكرة التي من الواضح انها لم تكن اصيلة بدرجة كافية لمحاولة تنفيذها.  

كنت في حالة نفسية سيئة جدا. هي أيضا. لذلك قررنا في لحظة ان نخرج من القاهرة سريعا. فكرنا في عامود - السواري\الصواري؟ - تحديدا. سيجارة قوية بعد اكلة فسفورية, تمشية طويلة بعد الغروب على الكورنيش, وغرفة صغيرة في موتيل في محطة الرمل لمدة ليلة واحدة نقطتعها من ايامنا المزدحمة.   من اللحظة الأولى التي بدأنا فيها رحلتنا, لم نتوقف عن الكلام.  كنا قد راكمنا عبر سنوات ثقة ما في علاقتنا, تسمح بألا نخجل من سرد غباواتنا ولا من الإعتراف بدناءاتنا الصغيرة نحو الآخرين. اسرارنا المشتركة, اكثر بكثير من أن تخفي أيا منا شيئا عن الأخرى.  استغرقنا كما المعتاد, في محاولة مشتركة لفهم تلك العلاقة الغامضة بين اختياراتنا في الحياة وبين علاقاتنا المعقدة بأنفسنا وبالآخرين. احب ذكاء صديقتي جدا. احب طريقتها في النظر للأشياء وقدرتها على تفهم جنوني. هناك خيط ما, رفيع جدا, يربط بين جنوننا المشترك.  

اذكر متعتي, عندما حاولت تقليد ذلك الذي اعتاد الصراخ في وجهي بفزع كلما اقترب من نشوته فأصرخ انا ايضا, لكن من الرعب. وفي محاولة لوقف قهقهاتنا التي أيقظت النائمين في الغرف المجاورة والذين طرقوا بغضب على الجدار الفاصل بيننا, تحكي لي –للمرة المليون- عن رعبها من غضب ذلك الآخر, الذي انهار تماما بعد ان أخبرته عن هوسها بعلاقتها الجنسية مع رجل آخر ويقرر الإنفصال عنها نهائيا بعد اعترافها الذي حطم زواجها المتوتر.

نضحك ونبكي ونتصل تليفونيا في غمرة تداعياتنا العاطفية بأصدقاءنا القلائل المشتركين لنخبرهم, واحدا واحدا, بتأثر شديد, كم اننا, نحن الاثنتين,  نحبهم كثيرا.

مثل فراشة تتحرك فاندهش لخفتها واتساءل بصوت عال عن السر في ثقل قدماي المصبوبتين كما قالب الأسمنت في الأرض. تبتسم وتسألني بسخرية إن كنت أنظر في المرآة ام اكتفي بتصوراتي الهبلة عن نفسي.  ابتلعنا سويا زجاجة كاملة من الفودكا ولم نهتم بطلب كؤوس من نادل البانسيون خوفا من غضبه هو الآخر.  فقد المشروب الحاد, الذي ارتشفته من بين شفتيها, طعمه اللاذع.  وفي آخر الليل, بعد أن انهكتنا القصص. تركت فراشها البارد, لتندس عارية تحت غطائي. تشبه ابنتي كثيرا, لذلك دفأت اصابعي جيدا قبل اتلمس, بحذر الواقف على حافة الهاوية, حلمتاها النافرتين.  لا اجد اقرب من تعبير عماد ابو صالح لوصف احساسي بتلك الأنثى: جمالها كافر.

ارتبكت كثيرا بعد تلك الليلة. فأنا, لم أفكر ابدا, انني قد اشعر بمثل هذه النشوة وهذا الإحتياج لإمرأة مثلي. لم تكن تجاربي السابقة مع النساء قد تعدت الرغبة في اكتشاف تلك "الأجساد" التي تشبهني. كنت مازلت انظر لهذا النوع من التجارب بمنطق المدقق في مرآة ثلاثية الأبعاد. هل يمتعهن مايمتعني, هل يستجبن لما أستجيب, وكيف أبدو في نشوتي.  ليس أكثر.  بمعنى آخر, انني, وإن كنت بذلت مجهودا ما لمحاولة النظر خارج الصندوق, إلا أنني لم اكن قد تجرأت بشكل كاف للهروب منه.

اتساءل احيانا عن السر وراء قرارنا الضمني والمشترك بأن نبقي على هذه المسافة الحذرة بيننا. هل هربنا من الصندوق فعلا ام ان تجربتنا هذه كانت مجرد "حلاوة روح"؟.  تنظر كل منا للأخرى من خلف تلال علاقاتنا المتراكمة بالذكور المتعاقبين كما القطار السريع على حياتينا, ليرتفع الحاجز بيننا كل يوم أكثر. هكذا الحياة. وما نحن الا مجرد طفلتين فضوليتين, ضغطتا على زر خفي ما فيها لينفتح لنا بابا من الجنون, ارتعبنا من مجرد التفكير في محاولة ولوجه. ارانا نسير متوازيتين. نحرص ألا تتقاطع مساراتنا ابدا. لكننا, في نفس الوقت, لا نحتاج لأكثر من ابتسامة سريعة أو اشارة غامضة لتفهم على أي حجر تستند الأخرى في هذه اللحظة.  

برغم ان رحلتنا الشتوية للإسكندرية, تحولت لتقليد سري استمر عامان متتاليان بعد هذه الرحلة, إلا ان تجربتنا هذه لم تتكرر ابدا كما كانت في نشوتها الأولى. لا اعرف كيف تعقدت الأمور بيننا لهذه الدرجة. ولا اعرف ايضا, لماذا انسحبت تدريجيا من حياتي لأستسلم انا – بتواطؤ -  لشكل علاقتنا التي انظر لها الآن, من بعيد, لأدرك , انها لم ولن تعود ابدا لما كانت عليه من قبل.

( categories: )