عمي لوقا الذي يرفض تصريحات بابا الفاتيكان

Submitted by واحدة on الثلاثاء, 2006-09-19 14:07.

اعرف مزاج عم لوقا في اللحظة التي أدخل فيها من باب المكتب. فهو إما مبتسم جدا أو متجهم جدا. ليس بين الإنفعالين ثالث. لكن هناك, دائما, قصة ما يريد أن يحكيها لتعبر عن سبب سعادته أو غضبه.  يقول انه "يعزني" كثيرا لأنني "عضمة زرقة" مثله. منذ شهور, قال لي زملائي انه يقول هذا للجميع. هناك –دائما- سبب ما يخترعه عم لوقا لكي يعلن عن مشاعره نحو الآخرين.  اعرف انه لا يكذب أو ينافق عندما يحاول التعبير عن احتياجه هذا. "طب انت بتعزني عشان انا عضمة زرقة بس ياعم لوقا ولا عشان انا كويسة؟" يستنكر تفاهاتي ويعلن بثقة "مانتي لو مش عضمة زرقا مش هاتبقي كويسة!".

تجاوز عم لوقا الثالثة والسبعين, تعلن خطوط وجهه الغائرة عن خبرة طويلة وموجعة في الحياة. جاء من محافظة "قنا" بعد زواجه بشهرين, كان عمره وقتها لا يتعدى الثامنة عشر. وقضى عمره كله في القاهرة بدون أن ينطق كلمة واحدة بغير اللهجة الصعيدية وهو يتفاخر بتمسكه بلهجة "بلاده". "المسيحيين في الصعيد عزوة" هكذا يعبر عن اغترابه في القاهرة وايضا حنينه لأهله. أذكر أن جدي الذي نزح من الصعيد هو الآخر, أصر أن يمتلك أكثر من عقار في نفس الشارع الذي قطن به. ملأ بناياته بالنازحين "الصعايدة" مثله. هو خليط من الشعور بالذنب والحنين على ما أعتقد.

في احد جلسات نمائمه الصباحية, أسر لي عم لوقا بأن صاحبة العمل التي تميل لتوظيف الأقباط, اعتنقت الديانة المسيحية منذ زمن  "لكن في السر". هكذا فسر ليبرالية المرأة التي اعرف جيدا انها مثلي تقريبا , لا تهتم بأي من الديانتين.  يحكي لي ايضا عن صولاته وجولاته في الرد على أكاذيب محمد. "كان راجل صايع" هكذا يصفه لي بحدة فأنصحه أن يخفض صوته وأضحك. هذا النوع من القصص ليس جديدا. ان يشتم المسلمون الأقباط في الزوايا وعلى منابر جوامعهم, ليرد عليهم الأقباط بكم لا بأس به من الإشاعات والشتائم في الخفاء, بين بعضهم البعض.  هي احد اساليب التكيف\المقاومة التي أبدع فيها المصريون بشكل عام على اختلاف دياناتهم. لذلك, فكما يرى المسلمين أن المسيحيين يجب أن يدفعوا الجزية وهم "صاغرون", يرى الكثير من الأقباط أن الحكم "الإسلامي" -كما يحبوا أن يصفونه- هو احتلال لمصر الفرعونية القبطية. وأن مصر, لن تتقدم إلا بالتخلص من هذا الغزو "البدوي".

لكل فعل, رد فعل, مساو له في القوة ومضاد في الإتجاه. هكذا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا. لذلك, لم استعجب من شتم عم لوقا لمحمد, ولا من حديثه الدائم عن علاقاته الجنسية المتعددة. هي حالة عامة من الجنون, قوامها الإحساس بالعزلة والقهر.

استيقظ مبكرا. لذلك فأنا غالبا, أول من يصل للمكتب بعد عم لوقا الذي اعتاد ان يتواجد في تمام السابعة. من شهرين أو ربما أكثر قليلا,  فتح لي عم لوقا الباب بإحتفال, واحتضني! لم أفهم هذا الإحتفال المفاجئ لكني حضنته ايضا.  يذكرني بجدي لأبي. نفس البساطة والتلقائية ونفس مسقط الرأس أيضا. لكني صدمت فعلا عندما ضم شفتيه كما الأطفال, تمسك بذراعي بقوة, وقبلني على فمي!.

لا اعرف كيف اصف المشهد لكنه مضحك جدا. برغم ضآلة حجمي, إلا أن عم لوقا اضطر ان يقفز على أطراف أصابعه بينما انتفخ جلبابه الطويل كما الخيمة من حوله لينفذ خطته الصباحية والتي بدا لي انه كان يستعد لها منذ أيام.  صرختي المذهولة هي التي أربكته. اضطر ان يقضي يوما كاملا في الإعتذار واسبوع كامل بعدها يعاملني برسمية وتحفظ شديدين. لم أغضب من عم لوقا. اعرف انه وحيد جدا بعد ان رحلت زوجته وتركه أبناؤه للعمل في ليبيا منذ سنوات. لذلك اضطررت أن أقضي نفس الأسبوع في محاولة اقناعه بأن ينسى ماحدث ولا يتحدث عنه مرة أخرى. كنت اتصنع الجدية وابذل مجهودا مضنيا كي لا أضحك كلما مر أمامي. بصراحة, احببت جدا طريقته الخزعبلية في التقبيل.

قد يظن البعض ان مادفع عم لوقا للإعتذار, هو خوفه من وشايتي بعملته السوداء لذلك قضى وقتا طويلا في محاولة ارضائي. لكن هذا ليس صحيحا.  فاعم لوقا هو أقدم موظف هنا,  يحمل في جعبته كل نمائم وفضائح المكتب الصغيرة والكبيرة. وهو أيضا مركز قوة لا يستهان به. رأيته مرة يرفض تقديم فنجال قهوة لأحد ضيوف المديرة التنفيذية التي اعتادت مثل هذه الشطحات منه وطلبت من احد السعاة الآخرين اعداد القهوة بدون أدنى تعليق او استنكار لموقفه الذي احرجها امام  ضيفها الذي بدا لي مهما. عند سؤالي له عن سر معاملته الجافة لذلك الرجل, أجاب بإنفعاله المعتاد"ده راجل مش كويس!!". عندما عرفت الرجل أكثر, لاحظت انه متعجرف جدا, سخيف بحق. اصبحت مؤمنة تماما بالنظرة الثاقبة لبعض كبار السن. 

مؤخرا, بدأت افكر أن المسن, يعود لنقاء طفولته في التعبير عن انطباعاته ومشاعره الصريحة بدون "تزويق" أو حسابات\موازنات اجتماعية. هم لا يحتاجوا لها لانهم يعيشوا على هامشها. أو ربما تعبوا منها. ببساطة, يسترجعوا طبيعتهم الأولى. لذلك, نحن, صغار السن, لا نستطيع فهم ذلك التناقض بين "شكل" رؤوسهم التي خطها الشيب وما تحمل "داخلها" من افكار وانفعالات "متحررة".

اليوم, فاجأني عم لوقا بمتابعته لآخر تصريحات بابا الفاتيكان. قال لي, "المسلمين هايكلونا صاحيين". حكى لي عن ركاب الميكروباص الذين قضوا رحلتهم في شتم الرجل والدعاء عليه هو وكل النصارى  الكفرة, عملاء الأمريكان,.  

طبعا, عم لوقا المعروف بلسانه الزالف, التزم الصمت امام هذا الكم الهائل من العنف. لن يسعفه سنه الكبير ولا جسده النحيل اذا ماحاول الرد عليهم. لحسن حظه. 

حكى لي ايضا عن جيرانه الذين تجنبوا الحديث معه منذ يومين كاملين. اعرف مايحكي عنه عم لوقا, جولة سريعة على الإنترنت, كافيه جدا لفهم مايحدث. " الراجل نص لبه ياعم لوقا. هو ماله بالإسلام والمسلمين, مايخليه في نفسه احسن" هكذا حاولت استفزازه لأسمع منه أكثر. أجابني بأن البابا شنودة ادلى بتصريحات ليلة أمس –لم أسمعها- وأنه أشار لرفضه لتصريحات بابا الفاتيكان وأنه -عم لوقا- يتفق وموقف البابا. ليس لأن كلام الآخر ليس صحيحا, فهو متفق مع بابا الفاتيكان حول موقفه من الدين الإسلامي والمسلمين, لكن لأنه أكثر حكمة منه "احنا مش حمل بهدلة يابنتي. دمنا في اسكندرية لسا مابردش". هكذا تمتم في نهاية حديثه المقتضب معي ليتابع عمله, صامتا, في المطبخ.

لم اجادل عم لوقا كثيرا رغم قناعتي بأن تصريحات بابا الفاتيكان كانت عنصرية جدا. فعندما يقول الرجل, أن الكنيسة الأوروبية هي امتداد ل"عقلانية" الحضارة الإغريقية وأنها لذلك "تطورت" عن الكنيسة في المجتمعات الشرقية, فهو هنا يقصر العقلانية على الغرب "المتحضر" وينفيها عن الشرق "المتخلف". وهو بذلك لا يقصر سمومه العنصرية على المسلمين فقط, لكنه يمارسها بوقاحة منقطعة النظير ضد المسيحيين العرب أيضا. مشكلة البابا الحقيقية مع العرب. وليست فقط مع الإسلام أو المسلمين.  كما أن القول أن الديانة المسيحية هي امتداد للتراث العقلاني للغرب هي فكرة مضحكة جدا بصراحة. وتحمل كم هائل من المغالطات التاريخية والعقائدية.  

هل نستطيع ان نفصل أفكار البابا الجاهل والعنصري, عن الموجة العنصرية العامة ضد كل ماهو عربي؟ وهل نستطيع أن نفصل هذه الموجة العنصرية عن الدعاية الامريكية لتبرير ممارساتها القذرة في منطقتنا؟ هل نستطيع أن نفصل أيضا, غضب العرب من سفالة الإمبريالية الأمريكية وتمسكهم الذي أصبح أقرب لل"هوس" بدينهم الإسلامي بإعتباره هوية قومية؟؟  وهل من المنطقي أن نفصل هذا الهوس الإسلامي عن انغلاق الأقباط على أنفسهم ومحاولتهم خلق مجتمع مواز لذلك الذي يعانون من إقصاؤهم الثقافي والرسمي فيه, وبالتالي ان يمارسوا هوسا دينيا هم الآخرين ضد كل ماهو مسلم؟؟  لا اعتقد. هي دائرة, مغلقة وصعبة. يتضافر فيها كل من الجهل والعنف والظروف الحقيرة التي نعيش فيها جميعا لتخلق مزيجا مرعبا من الطائفية والضياع.

رأيت خوف عم لوقا في عينيه وتلمسته في صوته المضطرب. خصوصا بعد أن تابعت محاولته الإتصال بأولاده في ليبيا لينصحهم بإلغاء رحلتهم الأولى منذ سنوات للقاهرة والتي كان ينتظرها بفارغ الصبر.  أتذكر صورة الراهبة المنحنية بألم من جراء الطعنة في جنبها. أتخيل وجه مقتحم الكنيسة في الإسكندرية وهو يطعن رجلا تعدى الستين بينما يهتف بهستيريا "إلا محمد". أتخيل أيضا, عم لوقا غارقا في بركة من الدم. وحيدا, في منزله البعيد. تطاردني هذا الخيالات والوقائع السوداء وغيرها الكثير لأرتجف أنا أيضا. تماما, مثل عم لوقا.


 

( categories: )