عن أوجع ماحدث

Submitted by واحدة on الأحد, 2006-09-10 17:39.

مازلت انتظر عودته بالرغم من المجهود الموجع الذي أضطر لبذله كلما حاولت إسترجاع صوته. هل نسيته حقا أم أنه تجنبا منطقيا للألم الذي أرهقني التلذذ به والمصاحب لعملية التذكر؟ تحول أبي بعد رحيله لبطل حكاية وهمية لم تخرج يوما عن خيالاتي. كأنني لم أقابله من قبل. لم اعرفه ولم أختلف معه ولم أتهمه بلإصلاحيه والمحافظة ولم يتهمني هو أيضا في ثورات غضبه النادرة بالرعونة والإندفاع.  نسبت له ذاكرتي أجمل الصفات ولم اعد أرى أخطاؤه. ربما لهذا مازلت أتألم كثيرا كلما تذكرت خطتي للتخلص من مجالسته في تلك الليلة في المستشفى الباهت لأقضي السهرة مع صديقتاي المقربتين.  قبلته على رأسه ولم اجرؤ على النظر في عينيه. إعتقدت أنني سأراه في الصباح وأن كذبتي البيضاء ستمر بسلام لأنني سأكفر عنها بباقة من الورد الجوري وقبله صباحية. 

في طفولتي, إعتاد أبي ان يؤكد لي أن إخوتي يحبوني جدا. عائلتي, الشجر, الحيوانات الأليفة والمفترسة, حتى سريري وقصصي وألعابي. كان يذكرهم واحدا واحدا, لا يفصل بينهم سوى لحظات من التفكير العميق تدور فيها عيناه في الغرفة من حولنا لينتقى لي عاشقا جديدا بدون أن يمل أو يكرر نفسه أبدا. أمتعتني هذه اللعبة لسنوات طويلة أقنعني أبي خلالها أنني محبوبة من كل ما وجد وما سيوجد يوماً على الأرض. 

ربما لهذا مازالت قدرتي على تقبل الفكرة المنطقية القائلة بأنه ليس أغبى من إفتراض ساذج تقنع فيه نفسك بأن جميع من حولك يحبونك وانك أنت أيضا تملك مايكفي من الطاقة لمبادلتهم هذا الحب- ضعيفة جداً.  برغم قبولي لهذه الحقيقة عقليا, إلا أنني حتى الأن لا أستطيع أن أتقبلها بشكل كامل, ولا اهدأ في كل مرة أواجه فيها رفضا من الأخرين, إلا بعد أن أذكر نفسي بأن هذه هي طبيعة الأمور وأن كونها كذلك ليس امرا سيئا جدا كما تصور لي اللحظة.

"حبي الناس هايحبوكي, حتى الحديد, لو حبيتيه.. هايحبك"


 طالبني أبي أن أخالف إنسانيتي. وضع على أكتافي أثقالا لم احتملها. هل أرادني مسيحا آخر يتبعه هو أول ملحد أسرتني جرأته في حياتي؟! هل كان ماركسيا علميا حقا أم مثاليا دونكيشوتي النزعة أغضبه إلهه القاسي فخرج يصارع طواحين الهواء؟ أعتقد أنه حمل جميع هذه التناقضات. أثبت لي أبي عمليا أنه وبعكس السائد عن الأشخاص الرومانسيين, كان يحمل داخله قوه أكثر من عادية جعلته قادر على تجديد تفاؤله وثقته في البشر, أكسبه هذا حضورا خاصا وتوهجا رغم قساوة الواقع وعنفه الغير مبرر في الكثير من الأحيان.

لأستفزه وأدفعه لمبارزتي "نقاشيا" إعتدت أن أتهمه بأنه قومي ضل طريقه للماركسية. وأحيانا أخرى بأنه أول شيوعي لا يفهم جوهر الرأسماليه. وأن إصلاحيته ومحافظته هو ورفاقه الستالينيين ساهمت بشكل مباشر في إنهيار الثورة الروسية وتسببت في نكبة العالم.  بالطبع لم أكن أعني ما أقول وهو كان يعرف ذلك جيدا.  يبدو لي الأن أنه احب اللعبة مثلما أحببتها أنا.  لن أنسى إبتسامه خافته لم يفلح في إخفاءها, أهداني إياها يوما وكتيب لينين الشهير "الشيوعية اليسارية مرض أطفال" ومعهما بعض التمتمات اللامبالية عن مدى أهمية هذا الكتاب الذي قرأه عندما كان في مثل سني وكيف انه أعاره لجميع أصدقاؤه وقتها فأعجبهم. تكررت هذه القصة كثيرا بعد ذلك, جرامشي ضد الإصلاحية, خطب ماو تسي تونج, خطوة للأمام خطوتان للخلف, ولن أنسى أبداً كم أثرت في رواية  فونتامارا.

ملَ أبي من اللعب منذ سنوات لابأس بها.  أعترف أن موته كان أكثر ما أوجعني منذ 2001 وما بعدها. لم أبكي يومها أكثر دقائق معدودة بعد أن أخبرني أخي بالخبر لأن هذا ما انتظره الجميع مني.  بعدها بساعات قليله كنت في الكنيسة أستقبل المعزيين بإبتسامه عريضه. كنت سعيدة جدا لأنني, أخيرا, تخلصت من عبئ إنتظار رحيله المحتم. 

( categories: )